السيد كمال الحيدري
87
شرح كتاب المنطق
وسيأتي كيف نستعين بالقسمة على تحصيل الحدود والرسوم وكسبها ، بل كلّ حدّ إنّما هو مؤسّس من أوّل الأمر على القسمة . وهذا أهمّ فوائد القسمة . وتنفع القسمة في تدوين العلوم والفنون ، لتجعلها أبواباً وفصولًا ومسائل متميّزة ، ليستطيع الباحث أن يلحق ما يعرض عليه من القضايا في بابها ، بل العلم لا يكون علماً ذا أبواب ومسائل وأحكام إلا بالقسمة . فمدوّن علم النحو - مثلًا - لابدّ أن يقسّم الكلمة أوّلًا ، ثم يقسّم الاسم مثلًا إلى نكرة ومعرفة ، والمعرفة إلى أقسامها ، ويقسّم الفعل إلى ماض ومضارع وأمر ، وكذلك الحرف وأقسام كلّ واحد منها ، ويذكر لكلّ قسم حكمه المختصّ به . . . وهكذا في الجميع العلوم . والتاجر - أيضا - يلتجئ إلى القسمة في تسجيل دفتره وتصنيف أمواله ، ليسهل عليه استخراج حساباته ومعرفة ربحه وخسارته . وكذلك باني البيت ، ومركّب الأدوات الدقيقة يستعين على إتقان عمله بالقسمة . والناس من القديم قسّموا الزمن إلى قرون وسنين وأشهر وأيّام وساعات ودقائق لينتفعوا بأوقاتهم ويعرفوا أعمارهم وتاريخهم . وصاحب المكتبة تنفعه قسمتها حسب العلوم أو المؤلِّفين ، ليدخل أيّ كتاب جديد يأتيه في بابه ، وليستخرج بسهولة أيّ كتاب يشاء . وبواسطة القسمة استعان علماء التربية على توجيه طلّاب العلوم ، فقسَّموا المدارس إلى ابتدائية وثانوية وعالية ، ثم كلّ مدرسة إلى صفوف ، ليضعوا لكلّ صفّ ومدرسة منهاجاً يناسبه من التعليم . وهكذا تدخل القسمة في كلّ شأن من شؤون حياتنا العلمية والاعتيادية ، ولا يستغني عنها إنسان ، ومهمّتنا منها هنا أن نعرف كيف نستعين بها على تحصيل الحدود والرسوم .